هذه القصة القصيرة هى أول ما أكتبه على الإطلاق ، ماعدا بعض الشعر الردئ والخواطر الصبيانية المخجلة ... تأثرت فيها كثيراً بأحد أساتذتى ، والذى هو أيضاً كاتب قصصى عظيم الموهبة ..
القصيدة التى استخدمتها هنا هى قصيدة (الشوارع حواديت) للرائع (صلاح جاهين) ... وإن كان بها بعض التغييرات الطفيفة لأنى استخدمت كلمات الأغنية التى قام بأدائها (فريق المصريين)... وبالمناسبة ، فقد استخدم أستاذى هذا نفس القصيدة فى رواية أخرى ، لكنها تختلف تماماً عن هذه القصة ، لذا فلا أعتقد أنه سيقاضينى – أو هذا ما أرجوه!
الشوارع حواديت
* * *
الشارع ده كنا ساكنين فيه زمان ..
كل يوم يضيق زيادة عن ما كان ..
أصبح الآن بعد ما كبرنا عليه ..
زى بطن الأم .. مالناش فيه مكان ..
* * *
رفعت سماعة الهاتف وأنا ألعن المتصل وألعن الهاتف وألعن (جراهام بل) على هذا الاختراع المزعج .. حتى وأنا عندى سبع سنوات لا غير كنتُ أمتاز بعصبية وقلة صبر خرافيين .. كان عندى استعداد تام أن أنتزع أذنىَّ أو أهشم رأسى فقط حتى يتوقف ذلك الرنين الأبدى .. لكنى وجدت أن الرد على المكالمة أسهل بكثير وأقل ضرراً ...
- < من؟ >
- < (ماجد)؟ ماذا تفعل؟ >
- < لا شئ .. كنت أشاهد التلفاز حتى قاطعتنى أنت بسرينة الإسعاف هذه. >
- < يا أخى اهمد قليلاً .. ما رأيك أن ننزل الشارع نلعب كرة؟ >
- < همم .. أوكى .. أقابلك على أول الشارع بعد ربع ساعة >
- < حسن .. لكن لا تتأخر كعادتك. >
- < عيب عليك .. سلام >
المشكلة فى لعب الكرة هنا أنه لا يوجد أى مكان له باستثناء شارعنا الضيق .. دائماً ماسورة الماء التى انفجرت تغرق الشارع .. لذلك قررت أن ألبس شورتاً أسود و (تى شيرت) رمادياً حتى لا يظهر أثر الوحل كثيراً ..
بعد قرابة الثلاث ساعات ، عدت للبيت وقد تحولت إلى خنزير من كثرة الطين الذى يغطينى .. كنت متعباً جداً ولا أرغب فى الاستحمام على الإطلاق ، لكن كان رأى أمى قاطعاً .. لو لم أستحم ، فلأذهب لأقضى بقية حياتى عند (كريم) .. هكذا ترون أن الديموقراطية كانت هى السمة السائدة فى بيتنا الجميل ..
* * *
كان (كريم) يسكن فى آخر الشارع عند الحائط الذى يسد كل منافذ النور والهواء .. منذ طفولتى وأنا أتساءل عن ذلك العبقرى الذى بنى هذا الحائط وأحاول استنتاج الحكمة الكامنة من ورائه ، لكن للأسف لم يبلغ ذكائى هذا الحد أبداً ..
أذكر أن لقاءنا الأول كان عند بقالة عم (بسيونى) .. كان كلانا يشترى (عسلية) بعشرة قروش .. وكما تعرفون ، عندما يشترى اثنان عسلية من نفس المكان فهما – بلا أدنى شك – قد صارا أصدقاءاً للأبد ..
فى السنة التالية ، تم افتتاح مدرسة جديدة قريبة من شارعنا ، ومن يومها صار كلانا يذهب لنفس المدرسة ، وشاءت الصدف أن كلانا كان فى نفس الفصل .. هكذا كانت صداقتنا قد صارت نوعاً من الالتصاق .. وأعترف هنا أنى أحببت (كريم) جداً ، فقد كان هو – عملياً – صديقى الوحيد ..
* * *
الشارع ده رحنا فيه المدرسة ..
اللى باقى منه باقى ..
واللى مش باقى اتنسى ..
كنسوه الكناسين بالمكنسة ..
بدموع لحظة أسى ..
أنا برضه كمان نسيت ..
* * *
لست أدرى متى بالضبط هوت الصفعة على قفاى ..
كنا واقفين – أنا و (كريم) – فى ساحة المدرسة نتناول العسلية ونتناقش فى حماسة عن من منا سيتزوج (مس مها) مدرسة الرياضيات .. كنا نمزح بالطبع ، لكن فى لحظة ما توقف الأمر عن كونه مزاحاً وبدأ النقاش يحتدم عندما ذكر (كريم) أنه قادر على شراء الدبلة الآن وحالاً ..
ثم فى وسط هذا النقاش الساخن ، هوت تلك الصفعة على قفاى ، مزعزعة المخيخ من مكانه ، مما أفقدنى توازنى للحظة ، قبل أن أستدير فى ذهول لأرمق الجانى الآثيم ..
آه طبعاً .. ومن غيره؟!.. الوغد (خالد) .. فتوة الفصل وربما المدرسة أيضاً .. يقف وحوله اثنان من البلطجية الصغار ، وعلى وجوههم نظرة شماتة وتحد جعلت الدم يغلى فى رأسى ..
- < ما هذا يا حيوان؟ >
- < هذا من أجل ما فعلتَه فى حصة التاريخ!>
- < ماذا؟ يا لك من أبله!! وهل ذنبى أنك جحش ولا تعرف أن التمثال الموجود بجوار أهرام الجيزة هو (أبو الهول) وليس (توت عنخ آمون)؟ >
- < نعم هو ذنبك .. وسأجعلك تعرف الآن كيف هو ذنبك ..>
- < إذن أخرج ما فى جعبتك أيها البهلوان ..>
طبعاً كانت هذه هى اللحظة التى تحولنا فيها نحن الخمسة إلى قطيع من الذئاب المسعورة ... خمش ، ركل ، عض ، بصق ، سب ، ركل ، خمش .. كانت مذبحة حقيقية ...
وفى الطريق إلى شارعنا ، قال لى (كريم):
- < لقد أوسعناهم ضرباً .. هؤلاء السحالى .. غداً سنركل مؤخراتهم مرة أخرى ..>
قلت له وأنا أتحاشى النظر إليه ، مركزاً كل طاقتى فى أن أمشى مستقيماً بعد تلك الركلة التى وجهها أحد السحالى إلى قصبة رجلى:
- < نعم نعم .. سيندم أولاد الوطاويط هؤلاء على اليوم الذى التقى فيه آبائهم بأمهاتهم ..>
- < بالفعل ... سوف ... سوف ...>
ثم توقف عن الكلام ونظر إلى الكدمة الزرقاء حول عينى ، ورأيت أنا شفته السفلى التى تحولت إلى نوع من البسطرمة ... ثم انفجرنا ضاحكين ..
* * *
الشارع ده أوله بساتين ..
وآخره حيطة سد ..
ليا فيه قصة غرام ..
ماحكتش عنها لأى حد ..
من طرف واحد وكنت سعيد أوى ..
بس حراس الشوارع حطوا للحدوتة حد ..
* * *
مرت ثمانية أعوام علينا ..
لم يتغير شئ فى الوسط الذى نعيش فيه ، لكن نفسياتنا وعقولنا تغيرت كثيراً .. لم نعد أطفالاً ، بل صرنا .. احم .. لنقل رجالاً صغاراً ..
بدأ الشعر ينبت قليلاً فى ذقوننا .. وصارت محادثتنا تتمحور بشكل رئيسى حول الفتيات .. هذه جميلة .. هذه سمينة .. هذه كلمتنى اليوم أمام السور وأنا أشترى العسلية .. هذه .....
لكن كلينا منذ فترة كان يقرأ الكتب كعثة شرهة .. لم يكن يقع تحت أيدينا أى كتاب إلا ونفترسه .. بل ربما فضضنا ورق الجرائد الذى يغلف لنا به عم (صالح) شطائر الطعمية والبطاطس المحمرة لنقرأه ..
ولم يمنعنا هذا طبعاً من أن نقضى الكثير من الليالى فى بيت أحد أصدقاء السوء – وهم كثير ، الله يعمر بيوتهم – لندخن السجائر ، ومن وقت لآخر يتبرع أحد أولاد الحرام – وهم أكثر ، الله يكرم أهاليهم – بلفافة (حشيش) ممتازة .. صحيح أننا لم نتعدَّ الثلاثة عشر سنة ، ولكننا كنا منحرفين بالسليقة ..
ورغم كل ذلك ، كانت درجاتنا دائمة ممتازة فى المدرسة ، وكنا محط إعجاب أساتذتنا سواء على المستوى الدراسى أو المستوى الأدبى ..
ماذا؟ تساءلون متى تغيرت الأمور؟
ياله من سؤال .. منذ مجئ (نرمين) بالطبع ..
* * *
الشوارع حواديت ..
حوداية الحب فيها ..
وحوداية عفاريت ..
(واسمعى يا حلوة لما أضحكك) ..
* * *
(نرمين) هذه كانت أصغر منى بسنتين ، وكانت هى وأهلها الوافدون الجدد على البناية التى كنت أقطن فيها ..
لن أقول عنها أنها كانت ملكة جمال أو أنها أحد نجوم السماء وقد لبس ثياباً بشرية ... هذا كلام مبتذل ولا يخلو من مبالغة .. دعونا نقول – على سبيل الموضوعية – أنها كانت طفرة جينية تجعل أى أنثى أخرى تبدو كرجل قصير أصلع ..
من السخافة أيضاً أن أقول أنى حاولت أن أكلمها ... أنا خجول بطبعى ، وطالما تلعثمت أمام أى بنت أريد الكلام معها .. لم يكن شكلى قبيحاً ، بل ربما حتى كنت على درجة من الوسامة ، لكن هذا لم يقلل من توترى أمام الجنس الآخر إطلاقاً ..
هكذا ، كنت كلما قابلتها على السلم ، أهز رأسى بأناقة وأقول شيئاً على غرار:
- < برم ترا ممم طب طب >
فكانت هى تضحك ببراءة ، وتهز رأسها علامة التحية ، وتكمل طريقها .. كنت أنا شديد الفخر بلباقتى وبراعتى فى أوقات مثل هذه ...
حتى أتى يوم من تلكم الأيام ، كنتُ أنا متجهاً نحو عم (بسيونى) لأشترى عوداً من العسلية .. يبدو أنها وسواس قهرى أو عقدة دفينة .. المهم .. كانت (نرمين) عائدة من درس خصوصى ما ، ورأيتها أنا قادمة ببلوزتها الوردية الأنيقة ، وبنطالها الجينز ، وقد ضمت الكتاب على صدرها مما أعطاها طابعاً طفولياً محبباً للنفس ..
لا أعرف من أين أتتنى الجرأة لكى أتوجه نحوها وأقول:
- < كيف حالك يا (نرمين)؟ >
نظرت لى لحظة بدهشة ، ثم ابتسمت بهدوء وقالت:
- < أنا بخير .. وأنت؟ >
- < لا بأس بتاتاً .. ما رأيك فى عود عسـ ... آه ، أقصد ما رأيك بزجاجة مياه غازية؟ إن الطقس شديد الحرارة ..>
قالت ببساطة وعفوية:
- < معك حق .. والجميل أن عم (بسيونى) يقدم كتلة ثلج على هيئة زجاجة.>
ضحكتُ .. وعرفت لحظتها أننا صرنا أصدقاء ...
* * *
الشارع ده شفتك وانتى ماشية فيه ..
لابسه جينز وبلوزة وردى وعاملة ديل حصان وجيه ..
اتجاهك فى اتجاهى مشينا فيه ..
والشارع ده ضباب وتيه ..
بس لازم نستميت !
* * *
هكذا تغير الروتين اليومى لحياتى نوعاً ما .. صرنا نخرج أنا و (نرمين) من البناية متوجهين لأول الشارع ، حيث تذهب هى لمدرستها وأقابل أنا (كريم) ونذهب لمدرستنا .. ثم أراها أحياناً بعد الظهر أو فى أول المساء .. وكنا كثيراً ما نتكلم على الهاتف .. لا أعرف لماذا صرت فجأة شاكراً لـ (جراهام بل) اختراعه العظيم هذا ..
كنت أعرف أن ما أشعر به ناحيتها هو حب .. صحيح أنه حب مراهقة من النوع الذى يسميه الغربيون crush ، لكنه يبقى حباً رغم كل شئ .. لكنى لم أجرؤ يوماً على التصريح بذلك لها ..
لا ، ليس خجلاً منى .. أنا فقط كنت أعرف أنه لا مستقبل لهذه العلاقة ، لو جاز لنا تسميتها (علاقة) .. فأنا كنت قد قررت أنى سأسافر (أستراليا) لأدرس الطب هناك .. بل وكنت أسعى فى البحث عن منحة تعليمية ، وبدا لى أنى قد وجدتها فعلاً ..
لكنها كانت – (نرمين) لا العلاقة طبعاً - تعرف كل شئ دون أن أخبرها .. فلم يكن بيننا أسرار كثيرة على كل حال .. وقد سرَّنى هذا ، فأنا كنت أعلم يقيناً أنى هوائى بما يكفى لجعلى أترك المنحة و (أستراليا) وربما الدراسة كلها لو أنى صارحتها بمشاعرى .. ماذا؟ أنا رومنسى؟ ومن قال غير هذا؟؟!!
كنا نتضاحك فى يوم ونحن نمشى عائدين من الدرس الخاص بها حول ما سأقابله فى (أستراليا) .. قلت لها:
- < أنا ليس عندى أى نوع من المشاكل ... بل ولا حتى الرهبة الطبيعية التى يشعر بها كل من يترك بلده وموطنه لأول مرة فى حياته ... كل ما يقلقنى هو اللهجة الأسترالية ..>
- < ولكنك تتحدث الإنجليزية بطلاقة !!>
- < يا عزيزتى ، الإنجليزية لا علاقة لها بالأسترالية .. إن الأستراليين يتحدثون بلهجة لا أجد لها اسماً إلا (التطجين) ... تخيلى أن تسألى واحداً منهم عن اسمه ، فيقول لك "اسمى (ضايفض)!" .. هكذا قلب الملعون الدال ضاداً بدون أى شفقة أو رحمة ....>
هكذا دارت الأيام والليالى .. صرت أحاول أن أقضى وقتاً أكبر مع (كريم) .. كنت أشعر أنى أفتقده بالفعل حتى قبل أن أسافر .. لكم أحب هذا الفتى الذى رأى معى كل شئ!
وسريعاً ما انتهت امتحانات آخر السنة ، ثم ظهرت النتيجة ، وحصلت أنا على درجة أعلى مما توقعت بكثير .. و (كريم) كذلك .. ولذا قررنا أن الليلة السابقة لسفرى ستكون خمراً ونساءاً ، وغداً نقضى على دين (محمد) ... امم ، معذرة .. هذا هو تأثير الأفلام السلبى على المراهقين ...
وكان الأمر كذلك بالفعل ... لا أعتقد أنى جهازى الفسيولوجى سيمر بتجربة كهذه مرة أخرى ... كميات هائلة من الكحول والأفيون والتبغ والـ والـ ... وقد ضحكنا كثيراً أنا و (كريم) ، خاصةً عندما وقع هو فى الترعة الصغيرة بجانب الميدان عندما قررنا أن نخرج لنشم بعض الهواء النقى ...
لكن هذا لا يمنع أننا بكينا كثيراً .. كان كلما تذكرنا موقفاً ما مرَّ بنا قديماً ، ترقرقت الدموع فى عيوننا ، حتى يتدارك أحدنا الموقف بأن يضحك ، ويضرب الآخر فى كتفه ، ويقول:
- < تماسكى يا فتاة ، فما زال الليل طفلاً ... >
لكنى – أعترف – كان ذهنى مشغولاً إلى حد ما ، حتى وأنا فى تلك الحالة .. فأنا لم أحاول أن أكلم (نرمين) منذ أسبوعين كاملين .. بل وكنت أتحاشى لقاءها ، وأتعمد عدم الرد عليها عندما تتصل بى هاتفياً ، وأخبر أمى أن تقول لها أنى نائم ، بالحمَّام ، بالخارج ، بالسلامة ، إلخ ...
كان الألم فى صدرى عندما أفكر فيها أكبر من أن يطاق .. ولم أجد وسيلة أخرى لأتحاشى الألم إلا أن أتجاهلها .. للأسف لم يكن علاجاً ناجعاً ، لكنه كان الحل الوحيد الذى تفتقت عنه قريحتى ...
لكنى فى تلك الليلة ، عدت إلى البيت بعد أن نام أهلى جميعاً .. كانت أمى قد أعدت لى حقيبة السفر ، فلم أقلق بهذا الشأن .. ناهيك عن أنى لم أكن بحالة تسمح بالقلق أساساً .. لكن الألم الممض بصدرى لم يرحمنى لحظة طيلة الليل ..
ظللت أتقلب فى سريرى حتى بزغت أولى بشائر الشمس ، فقمت من سريرى وحملت منشفتى ، وتوجهت إلى الحمَّام ، وأخذت (دشاً) بارداً كالثلج كى أفيق قليلاً ... ثم عدتُ وجلست على طرف السرير ، ساهماً ...
لا لم أتخذ قرارات .. بل القرار هو من اتخذ نفسه بنفسه ... هكذا امتدت يدى إلى سماعة الهاتف ، وطلبت الرقم تلقائياً ، ووضعت السماعة على أذنى بانتظار الرد ...
اللعنة ... من جديد ذلك الرنين المثير للأعصاب ... كنت أعتقد أنى قد شفيت ..
- < ألو؟؟ >
- < (نرمين) .. هذا أنا (ماجد) >
(لحظة صمت....)
- < أوحشتنى... >
(لحظة صمت....)
- < وأنتِ أيضاً ... لم أستطع أن أسافر دون أن أودعك >
- < كنت بدأت أعتقد أنك ستبقى وغداً وتترك لى رسالة مع (كريم) ..>
- < كانت هذه هى الخطة ... لكنى لم أستطع .. تعرفين أنى لم أكن أبداً بارعاً فى التخطيط ..>
- < أنت لم تبرع فى أى شئ إلا أن تتلعثم >
- < آىى ... هذه ضربة تحت الحزام >
- < وأنت تستحقها! >
* * *
وقفنا جميعاً أمام بوابة الخروج ...
أمى .. أبى .. أختى الصغيرة .. (كريم) .. (نرمين) .. أنا ..
أخذنى أبى وأمى فى حضنهم ، وأخذت أمى تنهنه على كتفى الأيمن ، فى حين ظل أبى يربِّت على كتفى الأيسر ... أعتقد أنى سأصل (أستراليا) بخلع فى عظام الكتفين ، لكن لا بأس ... طيَّبت خاطرهما بكلمات قليلة لكنها عبَّرت عما أشعر به بالتحديد ... ما دمتُ لا أكلم (نرمين) ، فأنا فصيح جداً ...
ثم أخذت (كريم) فى حضنى ، واعتصرته حتى كاد ينزل عصيراً .. وفعل بى المثل .. الغريب أنى شعرت بنفس مقدار الحرارة التى شعرت بها عندما احتضننى أبى وأمى ، لكنها كانت من نوع مختلف .. لا أعرف كيف أصف الأمر ... ربما هو مثلما يختلف نار الشمعة عن نار الموقد .. لا أعرف ..
ثم وقفتُ أمام (نرمين) ... التقت عينانا ... لم أقل شيئاً ، ولم تقل شيئاً .. فقط نظرنا فى عينى بعضنا البعض .. ثم مددت يدى ناحيتها ، وانتظرت حتى وضعت هى يدها فيها ...
كانت نظرتى تقول (أنتِ تعرفين ...) ... وحتى اليوم ، أكاد أفقد عقلى كلما تذكرت أنها هزت رأسها بمعنى (نعم!!)
قلت كلمة واحدة ...
- < إلى اللقاء ...>
هزت رأسها ثانية ، وابتسمت ... ولم تقل شيئاً ...
* * *
اتخذتُ مقعدى فى الطائرة ، وربطت حزام الأمان ، ورفعت حاجز النافذة المجاورة ، وأخذت أرمق الممر بجوار الطائرة ...
أحسست بحركة فى المقعد المجاور ، لكنى لم أعره انتباهاً ... بالواقع ، لم أكن معيراً انتباهى لأى شئ ... كان عقلى خاوياً كضرس مسوَّس قبل حشوه ...
لكن تركيزى عاد لأرض الواقع عندما سمعت صوتاً أنثوياً من المقعد الذى بجانبى يقول لى بالإنجليزية:
- Do you mind?
نظرت نحو مصدر الصوت ، فوجدت فتاة لا أعتقد أن عمرها يتعدى العشرين عاماً بحال ... تساءلت للحظة عما تتكلم عنه ، ثم فطنت إلى أنها تشير إلى مسند المقعد بيننا ... فقلت لها بشرود:
- Sure...
أنزلت المسند وأراحت ذراعها عليه ، وأخرجت علكة من حقيبتها ... ثم انتبهت ، فعرضت علىَّ واحدة ، لكنى شكرتها بأدب وهزة رأس ، ثم أدرت وجهى نحو النافذة مرة أخرى ...
- Is this your first time flying?
أدرت رأسى نحوها من جديد ، وجالت عيناى فى وجهها ، وتوقفت لحظة على أنفها المغطى ببعض النمش ، وقلت:
- Actually, yeah. Why, is it that obvious?
- Nah, not really. I just wanna talk until we get home. By the way, what are you going to Melbourne for?
- College... Unless I finally follow my intuition and become a gigolo, I’m going to medical school there.
ابتسمت ، وهزت رأسها ... لم أفهم معنى هذه الهزة ... ربما كان معناها (هذا ممتاز) أو (أنت فعلاً أحمق)... على كل حال ، لم أكن أنا أيضاً أرغب فى تمضية مدة السفر فى التفكير فى ما تركته خلفى ، لذلك فقد مددت يدى نحوها بسرعة وقلت:
- Hi... I’m Maged Fahmy.
- I’m Rebecca... Rebecca Davidson!
نظرت لها لحظة ، وأنا لا أعرف ما أفعل ... هل أبالغ لو قلت أن شريط حياتى الماضية كله مر أمام عينىَّ فى تلك اللحظة؟ ربما ...
كل ما أعرفه أنى لم أتمالك نفسى ، فانفجرت ضحكاً .... من بين كل الأسماء؟؟!!!
نظرت لى فى دهشة ، وقالت:
- What’s so funny?
- Oh no, nothing... ahem... I just remembered something. Hey, wanna hear a joke???
* * *
الشوارع حواديت ..
حوداية الحب فيها ..
وحوداية عفاريت ..
(واسمعى يا حلوة لما أضحكك ..)
* * *