شبكة الملحدين العرب  |  المنتدى

جميع المدونات [1] 2

xx سورة سبأ - آية 44 - [الدين الاسلامي]
28/11/2007, 13:16:44
الزملاء المسلمين
تحية طيبة tulip


{ وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ } سورة سبأ - آية 44

حقيقةً لا أريد إثارة عدة مواضيع في وقت واحد، لكني مضطر للتساؤل:  من المشار إليهم في هذه الآية بالضبط؟

xx سورة سبأ - آية 50 - [الدين الاسلامي]
28/11/2007, 12:56:06
الزملاء المسلمين،
تحية طيبة  tulip


تقابلني مشكلة في فهم الآية رقم 50 من سورة (سبأ)، والتي تقول:

قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ


ما هو الهدف من هذه الآية بالضبط؟  بل ما معناها أساساً؟

ما فهمته هو أن الله يأمر (محمداً) بأن يقول للناس أنه إن كان ضالاً - أي ليس رسولاً حقاً - فإن ضلاله هذا على نفسه - أي أنه لن يضر أحداً سواه.

فهل فهمي هذا صحيح؟
1 تعليق    

xx ما هي حالة قلب المؤمن عند ذكر الله؟ - [الدين الاسلامي]
04/03/2007, 05:05:57
تحية طيبة،


يعرف معظم الزملاء أني لا أشارك كثيراً في المسائل المتعلقة بصلب الأديان، وأفضّل مناقشة تداعيات الأديان وآثارها المختلفة.  لكن من وقت لآخر، يجد المرء نقاطاً لطيفة يحب مشاركتها مع المهتمّين.  والنقطة محور الشريط ليست جديدة، ولكنها قد تكون خافية على البعض.


فمن التناقضات اللطيفة - والواضحة - في (القرآن) آيتا سورتي (الأنفال) و (الرعد) اللتان تدوران حول حالة قلب المؤمن عند ذكر الله...



إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ -- (الأنفال 8: 2)

الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ -- (الرعد 13: 28)


فالفئة في الآيتين واحدة (المؤمنون)، والفعل واحد أيضاً (ذكر الله)، لكننا نجد أن حالة القلب في (الأنفال) هي الوجل وهي حالة مناقضة تماماً لحالة الاطمئنان التي تصفها لنا سورة (الرعد).  فالوجل هو الخوف والرهبة، والطمأنينة هي السكينة والهدوء، حسب كل معاجم اللغة المعروفة.  توجد مرادفات أخرى للوجل، لكن أياً منها لا يتعلق من قريب أو بعيد بالطمأنينة.


راجعتُ تفاسير القرآن الشهيرة، مثل (القرطبي) و (الجلالين) و (الطبري)، فوجدتها جميعاً تفسر الآيتين كما لنا أن نتوقع.  قلتُ إذن نبحث في تفسير (ابن كثير)، فهو من أذكى المفسرين وأقدرهم على إيجاد حلول وتوفيقات للآيات المتناقضة - وما أكثرها - فلم أجد أي اختلاف عن التفاسير السابقة، بل إنه لم يشر إلى وجود تناقض أو حتى علاقة بين هاتين الآيتين.


التوفيق الوحيد الذي وجدته لإخراج القرآن من هذا التناقض الواضح أتي من طائفة إسلامية جديدة يُطلَق عليها ((القرآنيين)) أو ((الحنيفيين))، حيث أن بعضهم يرى أن القرآن لغته ليست هي اللغة العربية التي نعرفها وعرفها أهل الجزيرة وقت الإسلام، بل هي لغة مستقلة بذاتها تتشابه مع اللغة العربية في أشياء وتفارقها في أشياء.  وعلى هذا المذهب، فإن لفظ (المؤمنون) - والذي ورد في آية (الأنفال) - و لفظ (الذين آمنوا) - والذي ورد في آية (الرعد) - هما لفظان مختلفان لا يشيران إلى نفس المفهوم، وهذا هو السبب في كون حالة قلبيهما تختلف عند ذكر الله.


طبعاً منهج الحنيفيين يطرح إشكاليات عديدة يضيق المجال هنا عن الاستفاضة فيها، وتحتاج لموضوع منفصل.  أما لعموم المسلمين، فهناك سؤالان لا أرى بداً من الإجابة عليهما على الترتيب...


- هل يوجد حل يوفق بين هاتين الآيتين المتناقضتين؟

- لو لم يوجد هذا الحل، فما دلالة ذلك؟




تحياتي tulip

xx هل التوراة والإنجيل محرَّفان؟ - [الدين الاسلامي]
16/02/2007, 21:26:30
تحية طيبة للجميع،



من الأقوال الثابتة والمتفق عليها عند كل المسلمين قاطبة – فيما أعلم – هو قول أن التوراة والإنجيل الحاليين هما كتابان محرَّفان، وأنهما ليسا التوراة والإنجيل الأصليين الذين نزلا على (موسى) و (عيسى).  وأنا أحاول هنا أن أناقش باختصار دلائل قرآنية بحتة تشير إلى خطأ هذا القول وابتعاده عن الحقيقة، جمعتها منذ فترة من عدة مصادر وكتب، بعضها مسيحي وبعضها لاديني.


ولكن قبل البدء هناك سؤال مُلِح.  ما هو الإنجيل الأصلي؟  وهل هناك إنجيل نزل على (عيسى) نفسه، أو كتبه بيده، دون الأناجيل التي كتبها حواريوه من بعده؟


حسب ما أعرف، لم يُذكَر بشكل صريح أن (عيسى) كتب إنجيلاً بنفسه يتضمن تعاليمه، وإنما الأناجيل كلها كُتِبت بواسطة معارفه أو أتباعه.  وهناك تساؤلات كبيرة حول هذه النقطة، لكن لم يثبت بعد من قريب أو من بعيد أن هناك "إنجيل عيسى"، كما نقول "توراة موسى" أو "قرآن محمد".


وهذا يجعلنا نتساءل عن معنى "تحريف الإنجيل" أصلاً!  فالإنجيل هو بالضرورة كلام بشر، ولم يدَّعِ أحد أنه كلام إلهي.  صحيح أن كتبة الأناجيل يقولون أن (عيسى) قال كذا وكذا، لكن أحداً منهم لم يقل أن هذا الكلام حرفي، فكيف نقول أن هذه الأناجيل محرَّفة؟


قد يكون المقصود هو أن كتبة الأناجيل قد تقوَّلوا على (عيسى) ما لم يقله.  وسأرضى بهذا المعنى – رغم وجود عدة اعتراضات عليه – وأنتقل لمناقشة الأدلة القرآنية على خطأ ادعاء تحريف التوراة والإنجيل.


فآيات سورة (المائدة) تقول:


إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (44)  وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (45)  وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعَيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ (46)  وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فِيهِ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (47) وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48)


إذاً فالقرآن يقول أن التوراة "الأصلية" فيها هدى ونور، و(عيسى) جاء مصدقاً للتوراة الموجودة في عصره، أي أنها لم تكن محرَّفة في ذلك الزمن.  ثم يقول القرآن أن الله أعطى (عيسى) الإنجيل – وهو ما لم تثبته أي دراسات تاريخية أو ثيولوجية – وهذا الإنجيل أيضاً فيه هدى ونور.  ثم يقول القرآن أن الله أنزل على (محمد) كتاباً مصدقاً لما بين يدي "شيء أو شخص ما" من الكتاب ومهيمناً عليه.  وسياق الآيات يوحي بأن هذا الشخص هو (عيسى) نفسه، وبالتالي يكون ما بين يديه من الكتاب هو الإنجيل، والذي جاء مصدقاً للتوراة.  وبما أن كتاب (محمد) نزل مصدقاً للجميع، فهذا يعني أن التوراة والإنجيل لم يطلهما تحريف حتى زمان (محمد) نفسه، وإلا كان من المستحيل أن ينزل كتابه مصدقاً لكلام محرَّف.


كما أن الآية 68 من نفس السورة تقول:


قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّىَ تُقِيمُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (68)


أي أن الله يأمر (محمداً) أن يخبر أهل الكتاب أن السبيل القويم هو اتباع التوراة والإنجيل والقرآن معاً.  فهل يُعقَل مع أمر كهذا أن يكون التوراة والإنجيل محرَّفين في عهد (محمد)؟


ويستند المسلمون القائلون بتحريف التوراة والإنجيل إلى آية سورة (النساء) التي تقول:


مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِن لَّعَنَهُمُ اللّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً (46)


لكن الآية هنا واضحة تماماً أن "بعض" الذين هادوا فقط يحرفون الكلم عن مواضعه، وليس كلهم.  إذاً – لو افترضنا أن التحريف المذكور في الآية هو التحريف بمفهومه الإسلامي الحالي – لكان معنى ذلك أن هناك نسخاً من التوراة لا تزال صحيحة.


ثم أن التحريف المعنِي في الآية غالباً ليس تحريفاً في أصل التوراة، بل هو تحريف في المعنى فقط، بدليل أنه اقترن بـ "قول" الذين هادوا (سمعنا وعصينا) و (راعنا).  أي أن التحريف هنا شفهي وليس كتابياً.


وفي سورة (البقرة)، نجد آية شبيهة:


أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75)


ومرة أخرى، نجد نفس التركيبة.  (فريق) منهم فقط هو من حرَّف كلام الله.  وهذا التحريف لم يكن في أصل الكتاب، بل هو متعلق بالسماع والفهم.


ثم نعود مرة أخرى لسورة (المائدة) لنجد آية تقول:


فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىَ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (13)


وهنا نجد أن (ابن كثير) نفسه رأى أن التحريف شفهي ومعنوي، وليس تحريفاً في الكتاب نفسه، إذ قال:


" يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ " أَيْ فَسَدَتْ فُهُومُهُمْ وَسَاءَ تَصَرُّفُهُمْ فِي آيَاتِ اللَّهِ وَتَأَوَّلُوا كِتَابَهُ عَلَى غَيْرِ مَا أَنْزَلَهُ وَحَمَلُوهُ عَلَى غَيْر مُرَاده وَقَالُوا عَلَيْهِ مَا لَمْ يَقُلْ عِيَاذًا بِاَللَّهِ مِنْ ذَلِكَ
[/b]




إذاً يبقى احتمال أن يكون التحريف قد طال التوراة والإنجيل "بعد" نزول القرآن.  لكننا نملك الآن مخطوطات عديدة من قبل نزول القرآن نفسه، مثل النسخة الإسكندرية (400 ميلادياً) والمخطوطة السينائية (300 ميلادياً) والمخطوطة التي حصل عليها (تشستر بيتي Chester Beatty) والتي تعود إلى 200 ميلادياً، وكلها لا نجد اختلافات حقيقية بينها وبين الأناجيل الموجودة حالياً.


إذاً فالتحريف لم يحدث قبل نزول القرآن، ولم يحدث بعده.  فمتى حدث بالضبط؟!

xx الشيخ جمال قطب: "تشريع قتل المرتد كان لعصر الرسول فقط" - [الدين الاسلامي]
16/02/2007, 12:47:02
تحية طيبة ،


وجدت مقالاً طريفاً في الصفحة الثالثة لجريدة (المصري اليوم) عدد 978 ، بتاريخ الجمعة 16 فبراير 2007 ، رأيت أن أشارككم فيه ، فهو يحتوي على بعض النقاط الجديرة بالنقاش ، وإن كانت ليست بالجديدة...



الشيخ جمال قطب: تشريع قتل المرتد كان لعصر الرسول فقط.. والقرآن لم يضع حداً للردة


كتب - أحمد البحيري:

رفض الشيخ جمال قطب، رئيس لجنة الفتوى الأسبق بالأزهر، جميع الفتاوى السابقة للفقهاء التي تقول بوبجوب قتل المرتد، مؤكداً أن الإسلام يقوم على حرية العقيدة، وأن قتل المرتد كان في فترة محددة فقط في عهد الرسول "صلى الله عليه وسلم".

وقال قطب في كلمته مساء أمس الأول في ندوة "الحريات العامة في الإسلام"، التي نظمتها حمعية "المقطم للثقافة والحوار" إن القرآن الكريم لم يذكر حداً للردة بل قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين) "المائدة: 54".

أما ما عرف بحد الردة فمصدره حديث النبي صلى الله عليه وسلم "من بدّل دينه فاقتلوه"، وتفسير هذا الحديث أنه كان في فترة محددة من فترات حياة النبي "صلى الله عليه وسلم" بالمدينة.  وأوضح قطب: لقد كانت معركة رسول الله "صلى الله عليه وسلم" مع آخر فئات اليهود بالمدينة، وهم بنو قريظة الذين كانوا يسكنون حياً من أحياء المدينة فأصبحت هناك إمكانية استقطاب ضعاف النفوس لتغيير دينهم، ولذلك قال الرسول "صلى الله عليه وسلم": "من بدّل دينه فاقتلوه"، لكن الأصل العام في الإسلام أنه "لا إكراه في الدين"، لأن الله تعالى لا يُعبَد جبراً، وأكد أن قتل المرتد لم يكن حداً أبداً ولكنه قرار يسمّى عند الفقهاء "سياسة شرعية لأمر محدد في وقت محدد"، ولا يجوز تطبيقه حالياً.



ثم توجد بعد ذلك فقرة واحدة حول ما إذا كان صوت المرأة عورة، لكني لم أدرجها حيث أن لا علاقة لها بالموضوع من قريب أو بعيد.


والطريف هنا أن هناك عدة مشاكل في كلام الشيخ (قطب).  فمثلاً...

اقتباس
رفض الشيخ جمال قطب، رئيس لجنة الفتوى الأسبق بالأزهر، جميع الفتاوى السابقة للفقهاء التي تقول بوبجوب قتل المرتد


فنحن هنا نقف أمام ظاهرة تتكرر كثيراً في الدين الإسلامي، وهي أن يأتي شخص ما لينقض كل ما أتى به أسلافه.  صحيح أنه أحياناً يأتي بدليل موثق، لكن هذا لا يحل الإشكالية الموجودة.  أو - للدقة - الإشكاليتان المترابطتان:

1.  أن الأسلاف أجمعوا على خطأ، وهو ما ينقض بشكل قاطع حديث "لا تجتمع أمتي على ضلالة"، وهو حديث أخرجه (الترمذي) في سننه (بلفظ قريب) وصححه (الألباني) في (صحيح الجامع الصغير) وأخرجه (ابن ماجة) في السنن.

2.  أن هناك نقطة ما في الدين قد تخفى على الجميع لقرون طويلة، ثم تظهر على يد رجل واحد.  والأدهى أن هذه النقطة تتناول أمران قمة في الأهمية، الأمر الأول هو "الإيمان، المتعلق بأساس العقيدة"، والثاني هو "القتل، المتعلق بأساس الحياة".


اقتباس
إن القرآن الكريم لم يذكر حداً للردة بل قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين) "المائدة: 54".

أما ما عرف بحد الردة فمصدره حديث النبي صلى الله عليه وسلم "من بدّل دينه فاقتلوه"


ونحن هنا نتكلم عن نقطة أخرى مثيرة للجدل في الدين الإسلامي الحالي، وهي أولوية الحديث النبوي على القرآن نفسه، فيما يسميه المسلمون بـ "نسخ السنّة للقرآن".  ورغم أن الفكرة غير مقبولة عقلاً في الأساس، إلا أنها لا تزال مثار جدل عند الكثير جداً من المسلمين.  وعموماً لن أدخل في تفاصيل هذه النقطة حيث أنها غير محورية هنا.


اقتباس
وأوضح قطب: لقد كانت معركة رسول الله "صلى الله عليه وسلم" مع آخر فئات اليهود بالمدينة، وهم بنو قريظة الذين كانوا يسكنون حياً من أحياء المدينة فأصبحت هناك إمكانية استقطاب ضعاف النفوس لتغيير دينهم، ولذلك قال الرسول "صلى الله عليه وسلم": "من بدّل دينه فاقتلوه"، لكن الأصل العام في الإسلام أنه "لا إكراه في الدين"، لأن الله تعالى لا يُعبَد جبراً


بصراحة ، لا أجد تعبيراً للرد على هذا الكلام أفضل من (يا صلاة النبي)، وهي عبارة نقولها في (مصر) للتعجب والاستهزاء!


يعني يا مولانا، هل تعني أن الرسول خالف أمراً ربانياً صريحاً لأغراض سياسية أو اجتماعية؟  هل تقول أن الرسول أخذ على عاتقه مهمة جبر الناس على عبادة الله، في حين الله "تعالى طبعاً" لا يُعبَد جبراً؟  ثم هل الإسلام دين متهافت لدرجة أن اليهود قادرون على استقطاب ضعاف النفوس من المسلمين؟  هل حجة اليهود مقنعة أكثر من حجة المسلمين؟  هل كان المسلمون - في عهد الرسول شخصياً - متهاونين في تعليم الناس الإسلام، لدرجة أن اليهود كانوا يقدرون على إقناع من أسميتهم بـ "ضعاف النفوس"؟  هل عجز (رسول الله العظيم) عن إيجاد أسلوب آخر لحل الأمور غير القتل؟  أمرك عجيب يا مولانا!


اقتباس
وأكد أن قتل المرتد لم يكن حداً أبداً ولكنه قرار يسمّى عند الفقهاء "سياسة شرعية لأمر محدد في وقت محدد"، ولا يجوز تطبيقه حالياً.


هذا كلام بديع حقاً.  السؤال هنا: ما هي معايير هذه القاعدة الفقهية، التي غفل الجميع عن تطبيقها على مسألة الردة، واكتشفها الشيخ (قطب)؟  هل هناك معايير حقيقية أصلاً؟  وهل هذه المعايير واضحة وصريحة بحيث لا تسمح بالشك أو البلبلة؟  أظن الإجابة الواضحة هي "لا"، وإلا لما كان الشيخ (قطب) هو من أثارها بعد كل هذا الزمن.


الكثير من القواعد الفقهية الإسلامية تقوم على أساس "المعايير الفردية"، بمعنى أنها تختلف حسب فهم وذوق المفتي نفسه، وليس حسب قواعد ثابتة وواضحة يمكن للجميع الاحتكام إليها والرضا بها.  وهذا هو السبب الرئيسي لتعدد المذاهب والآراء الفقهية الإسلامية (حتى داخل الفرقة الإسلامية الواحدة).  والأطرف من كل ذلك أن المسلمين يهوون تكرار عبارة (إنما اختلافهم رحمة)!


عموماً أنا لا أعترض على رأي الشيخ بعدم صلاحية قتل المرتد، نظراً لأن قتل المرتد مبني على حديث، وأنا أصلاً لا أؤمن بأهلية الأحاديث للاستدلال الديني - كما ذكرت في موضوع الأحاديث النبوية لا مكان لها في الدين الإسلامي.  كما أني بالطبع لن أعترض على رأي يقول أنه لا يجب قتلي أنا شخصياً Very Happy.  لكني أحببت مرة أخرى الإشارة إلى تخبط المنطق الاستدلالي عند الدينيين، حتى عندما يرغبون في السير في ركب الإنسانية.



تحياتي  Rose

exclamation الأحاديث النبوية لا مكان لها في الدين الإسلامي - ]دراسة للباحث ( إيهاب حسن عبده) - [الدين الاسلامي]
26/01/2007, 16:58:32
تحية طيبة للجميع ،


رغم أن الأديان عموماً تحتوي على تناقضات شديدة ، ورغم أن الدين الإسلامي خصوصاً به الكثير من الأمور التي يراها غير المسلمين عيوباً قاتل ، إلا أن الدين الإسلامي يتميز عن غيره من الأديان بأمر يعتبره المسلمون مصدراً أساسياً للدين لا يقوم إلا به ، ألا وهو الأحاديث!


فالغالبية الساحقة من المسلمين ، والتي لا أظنها تقل عن 95% من كل مسلمي العالم ، تعتبر الأحاديث المنسوبة لنبي الإسلام مصدراً رئيسياً يتساوى - وأحياناً يتفوق في الأهمية - مع القرآن.  وقد نشأت لهذا عدة فروع من "العلم" لدراسة الأحاديث وتصحيحها وتضعيفها وتحديد مراتبها ، مثل علم الرجال ، وعلم المصطلح ، وسواهما.


ومعظم من يتركون الإسلام يفعلون ذلك استناداً لأحاديث غريبة متناقضة ، تتنافى مع المنطق أو العلم أو الإنسانية أو ذلك كله ، من أمثلة (الأئمة من قريش) ، (الشمس التي تغرب فتسجد تحت العرش ثم يأمرها الله بالشروق) ، (الذبابة التي يحتوي جناحها على داء والآخر على دواء) ، (صفية المشركة) ، إلخ.


والحق يقال أني - إبان إسلامي - لم أستسغ أبداً أن ديناً يبنى على أحاديث بشرية ، ولذلك كنت دائماً أتغاضى عن أي حديث من هذا النوع.  أي أني كنت أقرب للمعتزلة بشكل أو بآخر ، ولذلك كان تركي للإسلام مبنياً على ما رأيته من تناقضات وأخطاء في القرآن نفسه.  لكن غالبية غير المسلمين يبنون تركهم للإسلام على أساس الأحاديث ، وهو ما أراه خطأً منهجياً كبيراً.  وقد ازداد إيماني بخطأ هذه المنهجية بعد قراءة بحث للأستاذ (إيهاب حسن عبده) ، يقدم فيه أدلة أراها قطعية تماماً على أنه لا يمكن نسبة الأحاديث إلى نبي الإسلام بأي حال من الأحوال ، وأن ما يطلق عليها "أحاديث" لا تزيد عن كونها أقوالاً ظنية في أفضل الأحوال.


هذه الدراسة مهمة للغاية ، سواء للمسلمين أو لغيرهم.  فهناك طائفة حالية من المسلمين ترى أن الإسلام ليس له سوى مرجعية واحدة فقط هي القرآن ، وهذه الدراسة بالتأكيد تمثل محوراً ممتازاً لها.  أما غير المسلمين ، فالكثيرون منهم - كما ذكرت - يتركون الإسلام بسبب الأحاديث دون بحث جدي في القرآن نفسه ، ثم ينتقدون الإسلام ككل بناءاً على ذلك ، ولعل هذه الدراسة تكون سبباً في تغيير هذا التوجه ، والتركيز على أخطاء القرآن الذي يتفق كل المسلمين بلا استثناء على أنه الكتاب الإلهي المنزه عن الخطأ.


وبالطبع ، فالمجال مفتوح أمام الجميع لنقد هذه الدراسة ومعارضتها لو كان فيها أخطاء.  وسأقوم بتقسيم الدراسة على أجزاء لطولها....


xx فى نقض كتب الحديث ... - [الدين الاسلامي]
15/04/2006, 21:24:00
على الرغم من أن النقد الموجه للأحاديث المنسوبة إلى نبى الإسلام (محمد) ليس أمراً جديداً أو غريباً ، لكنه قد زاد كثيراً هذه الأيام ، كماً وكيفاً ، مع انضمام طائفة جديدة لقافلة النقاد .. هذه الطائفة هى طائفة (الحنيفيين) أو كما يطلق عليهم البعض (القرآنيين) ، على الرغم من أنهم يعترضون دائماً على التسمية الثانية لأسباب تبدو لى وجيهة. المهم ..

أقول أن كثافة النقد الموجه للأحاديث حالياً توحى بقرب المرحلة التى يتحول فيها (النقد) إلى (نقض).  فردود المؤمنين بالأحاديث تبدو فى الغالب ركيكة هشة لا تتعامل مع النقد ذاته وإنما تسعى لجر الحوار إلى نقد مضاد على المذهب الحنيفى.

كل هذا كلام لا دخل لنا فيه كلادينيين وملحدين إلا من باب الفضول أو العلم بالشئ ، ما عدا جزئية النقد نفسها طبعاً.  وأنا أثناء تصفحى لموقع الفكر الحر صادفت الكثير من أمثال هذا النقد ، ورأيت أن أعرض عليكم مثالاً له.  الكلام هنا للباحث الدكتور (إبراهيم بن نبى) ، وهو حنيفى معروف ، وهو يناقش فى هذا المقال موضوع (الإسراء والمعراج) كما ذكرته أحاديث البخارى ومسلم ، ويظهر تناقضات كثيرة فيها.

سأضع رابطاً للشريط المعنىِّ هنا حتى تتسنَّى متابعة النقاش لمن يريد ، لكنى سأقوم بنسخ ولصق مداخلة الدكتور (بن نبى) الأولى هنا...

- للذهاب إلى الشريط المذكور اضغط هنا ...


سأسابق الزمن و أنشر هذا المقال قبل أن يتم نشر تتمة حادثة الإسراء لأسباب تقنية.

بحثي في هذا الموضوع و علاقته بكتب الحديث سينحصر في صحيفتي البخاري (رمز خ) و مسلم(رمز م) حصرا. ذالك لأنّ الهالة التي أحيط بهما كبيرة إلى درجة أصبحا حَكما على كتاب الله و حكما على رسالة القرآن و صورة للنبي تجاوزت حد الزيادة إلى حد مناقضة وصف البلاغ المبين له.

ما يريده المحدثون هو نسبة ما يروونه إلى النبي واعتبار ما يقوله النبي تنزيلا. وهذه مغامرة صعبة من الجهتين. كيف يستطيعون نسبة رواياتهم إلى النبي بطريقة موضوعية وما يملكونه من منهج الجرح و التعديل متهافت مبني على العصبية المذهبية و السياسية، ثم حتّى إن أثبثوا نسبة رواياتهم إلى النبي، كيف يستطيعون إثباث أنّ هذه الأقوال النبوية جزء لا يتجزأ من الرسالة. فالنبي حين ينزل عليه القرآن تعترضه أعراض جسمية تحدث عنها القرآن فهل هذه العوارض لا تفارقه 24/24 ساعة وهو يباشر أعماله اليومية ؟

دون أن يشعروا فقد اتهم المحدثون و الإخباريون أنّ النبي لم يبلّغ رسالته و ترك القسم الأكبر الذي يسمونه بيانا للقرآن، تركه لمن يأتي بعده حتّى يبلغه بالمعنى .
و أكثرهم خبرة بالجدل يقول بل يؤكد أنّ النبي سجلّ أقواله و لكن أبو بكر و عمر أحرقا نسخ الحديث بعد وفاة النبي. و نحن نسأل أكانت أقوال النبي تكتب و هو يتحدث أم كان يكتبها بعد نهاية إلقاءها؟
هذا الامنطق في قراءة التاريخ و تحليله تجعلنا نؤكد أنّ المنظرين لنظرية الحديث في العصر الأول و اعتبارها جزء من الرسالة غايتهم تأسيس كهنوت كما أسس في الطوائف السابقة قبل النبي الكريم. هذا الكهنوت يؤسس مرجعية أخرى غير الكتاب المنزل ليمنع الناس من التفاعل مع التنزيل و يحصر هذه القراءة في "أهل الإختصاص". و كأنّ الدين اختصاص بفئة من الناس و ليس شروط الديّان على مجموع الناس الذين نُفخ فيهم الروح. هذا الحصر له أسبابه التاريخية السياسية أولا ثم العقائدية ثانيا.
إنّ توقد الذكاء عند من يعتبر الروايات الحديثية جزء من الرسالة فاق التصور عندما يقولون : إذا كنتم ترفضون نسبة الروايات إلى النبي و لا تقبلون أن تكون أقواله من الرسالة، فينبغي أن ترفضوا القرآن لأنّه أتانا عن طريق الرواية؟
و لأول وهلة يبدو السؤال وجيها ولكن تنقصه لبنة حتى يكتمل. إذ صحة نسبة القرآن إلى النبي لا يعني أن مصدره من عند الله بل يعني أنّ مصدره النبي. كتاب الله ببساطة شديدة لا يثبث بالرواية بل بدراسة محتواه و رسمه ليُعلم أنّ هذه النسخة الموجودة بين أيدينا ليست من تأليف بشر. فكتاب الله يحمل دلالته من داخله بنظمه و بنيته اللغوية و الرياضية.

و يزداد توقد الذكاء و عبقرية أهل الموروث الحديثي درجة أعلى إذ يؤكدون أنّ رفض الرواية يعني استحالة معرفة عدد ركعات "الصلاة" و أوقاتها و استحالة معرفة تفاصيل بعض الأمور الفقهية. و الحقيقة أنّهم لا يملكون غير مثال الصلاة ليجعلوا من الموروث الظني جزءا من الرسالة.
و كثير ممّن يسميهم الناس "قرآنيون" يشعرون بالحرج عند طرح هذا السؤال. و مع أنّني أرى في هذه التسمية جهل كبير إذ كلام البشر مهما علا يبقى إنسانيا لا يخلو من النقص و الخطأ، فكيف يكون الإنسان قرآنيا وكلامه قرآنا وهو مجرد إنسان. و هم بهذا يعبرون عن جهل عميق في التعامل مع من يعتقدون عدواتهم فبدل ذمهم مدحوهم و رقوا بهم إلى مستوى التأليه. و التسمية التي أطلقها البلاغ المبين على الدارسين للقرآن هي "أهل الذكر" و نحن نحتفظ بها و نرجو ان نرق إليها.
و نعود لموضوع الصلاة. فهل مفهوم الصلاة في البلاغ المبين هو النسك؟ ثم كيف يشرح القرآن طريقة الغسل لأداء "الصلاة" و يصمت في التعبير عن طريقة أداءها و أوقاتها؟
إذا كان من منهجية البلاغ المبين أن يترك التفصيل و البيان للنبي، فلماذا فصلّ في الصوم و نسك الحج و الغسل و عقوبة الزنا و السفاح و القتل و الصدقة و العلاقات الإنسانية و..... وترك موضوع "الصلاة" للنبي؟
بدل أن يتهم هؤلاء الناس القرآن بالنقص و الله يصفه بالكمال كان عليهم أن يغوصوا أبعد في البلاغ المبين ليكتشفوا حقائقه و ليحلوا ما يظهر لأول وهلة متناقضات. فالقرآن يخاطب حاملو الروح و المفروض أنّهم من أولي الألباب و من الذين يعقلون. و بدل هذا زعموا أنّ في القرآن نقصا و أرادوا بحسن نية ملأ الفراغات.
و مع أنّ النبي لم يخترع نسك "الصلاة" بل اتبع فيه ملة إبراهيم و لم تفرض عليه الصلاة في رحلة الإسراء كما سنرى بل نسك صلاتنا هو نفسه ما كان يؤديه إبراهيم و حتّى قريش حافظت على هذا النسك والذي طولب به النبي هو الإستمرار و المحافظة على هذه الملة. فإبراهيم نسبت إليه هذه الملة في البلاغ المبين "ملة إبراهيم" وهو بهذه الملة سعى و يسعى من يأتي بعده للتواضع إلى الله و شكر نعمه و لقد أقرّه الله على ملته و لم يفرضها عليه فرضا و هذا يجعلنا نطمئن أنّ شكل الشكر لنعم الله و التواضع له ليس محددا و أنّ اختلاف طريقة النسك واردة و ليست مهمة. و ربمّا يتهمني البعض أنّي أدعو لترك نسك الصلاة المتعارف عليه بيننا. و مع أنني أصلي و أحاول الحفاظ على الصلاة في أوقاتها فأنا لا أعتبر نسك الصلاة هو العمود الأساسي في صلتي بالله و في تحديد انتمائي الديني بقدر ما اعتبره وسيلة للتعارف مع الغير حين تؤدى الصلاة جماعة و وسيلة لشكر المولى و التواضع له حين أداءها فرديا. و لا أفهم من لفظ الصلاة الوارد في القرآن معنى النسك و اعتبره تحريفا لرسالة الإسلام و مفاهيم القرآن. و الأغرب أنّ كثيرا من الناس يعتبرون نسك الصلاة من أركان الدين و تاركها كافر و هم يرون أنّ مقدرات الأمة و ووعيها غير مرتبط و لن يرتبط بالنسك أبدا.

و لنعد إلى البلاغ المبين لنترك له الحكم:

" و يوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهمـ من أنفسهم، و جئنا بك شهيدا على هؤلاء؛ و نزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء و هدى و رحمة و بشرى للمسلمين"
النحل 16/89

و بادئا اعتذر عن كتابة الآية بخطي لظروف تقنية و لم أحترم الرسم القرآني و أرجو من القارئ أن يعود بنفسه لنسخة المصحف ليقرأ الآية برسمها.
القرآن إذن تبيانا لكل شيء (توقيع و برهان على الوجود) و هدى (إشارات مرور للوصول إلى الهدف) و رحمة (مولّد للخير و الفكر) و بشرى للمسلمين (بشرى لمن أوقع السلم مع ذاته فاعترف بالله خالقا و باليوم الآخر و عمل صالحا أنّ له الراحة يوم الحساب بعد الجهد الجهيد).
و لا شك أنّ أهل الروايات سيقولون أنّ القرآن نفسه أمرنا بطاعة الرسول و هذا حق فالرسالة حملها إنسان يسمى محمد و ليس ملَكا و هذه الرسالة هي القرآن فالرسول هو حامل رسالة لا يجوز له تبديلها أو تغييرها و هي بهذا القرآن نفسه. أمّا النبي محمد فلم ترد آية واحدة بطاعته بل الآية الوحيدة التي وردت في طاعة النبي في وصف بيعة النساء اشترط القرآن أن تكون لهذه الطاعة أن تكون في المعروف و المتعارف عليه (60/12). و المطلوب منّا احترام النبي و معرفة قدره .

و أضيف أنّ جملة "الله و رسوله" ليست مثنى في البلاغ المبين بل مفرد و لتراجع الآيات التالية :
9/74 ؛ 24/48،51 ؛ 33/ 21،36 .......الخ
و سأعرض هذه الآية من البلاغ المبين ليستقرّ المعنى :
"إنّآ أرسلناك شاهدا و مبشرا و نذيرا(flowers لتؤمنوا بالله و رسوله و تعزروه و توقروه و تسبحوه بكرة و أصيلا(9)" الفتح 48/ 8 ـ 9
فمن نسبح ؟ الله أم رسوله. القائلين بالحذف و التقدير و الجيمناس اللغوي سوف يجدون حلاّ يجعل الآية تركب تركيبا آخرا و يتهم المولى بالعجز عن التعبير. و الحقيقة انّ جملة "الله و رسوله" تعبّر عن حقيقة مفردة واحدة هي الرسالة. فالرسالة مصدرها الله و رسولها بشر و هذا التعبير العجيب الذي يصور مثنى في معنى المفرد ليرسم الحقيقة قرآني بحت لا يستطيع النبي محمد أن يعبر به
طاعة الرسول هي طاعة الرسالة في حياة النبي و بعد وفاتة و المقصود بها التنزيل فقط.

"و كأين من قرية عتت عن أمر ربّها و رسله فحاسبناها حسابا شديدا و عذبناها عذابا نكرا(flowers فذاقت وبال أمرها و كان عاقبة أمرها خسرا(9) أعدّ الله لهم عذابا شديدا، فاتقوا الله يأولي الألباب الذين آمنوا؛ قد أنزل الله إليكمـ ذكرا(10) رسولا يتلو عليكمـ آيات الله مبينات ليخرج الذين آمنوا و عملوا الصالحات من الظلمات إلى النور؛ و من يؤمن بالله و يعمل صالحا يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا، قد أحسن الله له رزقا(11) " الطلاق 65/8 ـ 11
فالآية توضح أنّ الذكر الباقي هو الرسالة المتلوة علينا في كتاب الله بحامل إنساني من جنسنا.

القرآن تبيان لكل شيء و هو بنفسه مبين لا طلاسم فيه و لا يحتاج إلى زيادة من خارجه حتى يبين :

"الر، تلك آيات الكتاب و قرآن مبين" الحجر 15/1

"و ما علمناه الشعر و ما ينبغي له، إن هو إلا ذكر و قرآن مبين" يسن 36/69

و أختم هذه المقدمة بمثل ضربه القرآن لتصوير حال من تتقاسمه المصادر و المرجعيات :
"ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون(27) قرآنا عربيا غير ذي عوج لعلهم يتقون(28) ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون و رجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا؛ الحمد لله؛ بل أكثرهم لا يعلمون (29)" الزمر 39/ 27 ـ 29

و لعلّ أهل الرواية سيقولون أنّ آيات القرآن ليس لها سياق و أنّ تتابعها لا يعني شيئا لأننّا نجهل سبب النزول!!! و على كل حال فالذي لا يطمئن لكتاب الله و لا يطمئن به و يبحث عن غيره مرجعا إلاهيا فما نستطيع له شيئا.

و لندخل الآن موضوع الإسراء و "المعراج" في صحيفتي البخاري ومسلم. على أنّ إشكالية الحديث عامة في كل قضية و حدث، إذ هي تحمل تناقضها في داخلها. فلنحاول بهذا المثال أن نلج إشكالية الحديث.
قد سبق و تعرضنا لآيات رحلة الإسراء فليرجع إليها في هذا المنتدى و خلاصة ما قلناه أنّ النبي قام برحلة بتهييء خاص ليرى ماهية جبريل في أفق الثقب الأسود و أنّ الآيات لم تتحدث عن قضية أخرى، لا رؤية لنبي و لا لجنة يوم الحساب و لا أنّ النبي قطع السبع سماوات.
فماذا تقول صحيفتي البخاري و مسلم؟

أنّ بيت النبي فُتِح و فرج سقفه وهو بمكة أو بالحطيم
و دخل عليه جبريل فشق صدره من ثغرة نحره إلى شعرته وغسله بماء زمزم و أتى بطست من ذهب مملوء حكمة و إيمانا و أفرغه في صدره (خ3598؛م237)

لعلّ هذا إن أحسنّا الظن يعبر عن التهييء الذي عُلِّم به النبي و بالبصر الخاص الذي رُكِبَهُ قبل رحلته و الملاحظ أنّ حادثة شق الصدر وردت في وصف صبا النبي و ما حدث له في البادية و هذا التكرار يعبر عن اعتبار الرواة أنّ الصدر و العضلة التي فيه هي مصدر الإيمان و الحكمة و مستودعه و الغريب في الرواية هي غسل باطن النبي بماء زمزم. فهل يحمل هذا الماء خصوصيات تجعله هو المحصن من الأدران المعنوية.

ثم أوتي النبي بدابة دون البغل و تحت الحمار أبيض سمي في الرواية البراق فحُمل عليه النبي (خ3598؛م234)

هذا المقطع يحاول شرح وسيلة الرحلة و أنّها دابة حيّة تناسب ركوب جسم النبي و سميت البراق للإشارة لسرعتها الكبيرة (البرق) و لكنّ رواية البخاري سرعان ما تتناقض إذ تقول "فحملت عليه فانطلق بي جبريل". و لا نفهم هل كان جبريل قائدا للبراق أم سائقا له أم جالسا مع النبي ؟ ثم إنّ رحلة النبي غايتها رؤية جبريل فكيف ظهر له وهو لا يعرف شكله أصلا و لم يره.

أول محطة للنبي هي بيت المقدس (خ4341؛م234) بإيلياء
(خ4340) حيث تمّ ربط البراق في حلقة ربط فيها الأنبياء كذالك دوابهم ثم دخل النبي "المسجد" و صلى ركعتين(م234).

الرواية إذن تشير إلى لقاء حدث بين النبي و الأنبياء في بيت المقدس و هذا ما لا يشير إليه البلاغ المبين ولا يتحدث عنه و لا إلى إحياء الموتى من الأنبياء و لا إلى صلاة جمعتهم بل يقول القرآن أنّها رحلة واحدة موحدة تمّ فيها رؤية جبريل في ظروف كونية خاصة. وهناك رواية في البخاري (خ4341) تؤكد أنّ الرحلة هي فيلم سينماتوغرافي لبيت المقدس رآه النبي و هو جالس في مكة يصف للقرشيين آيات بيت المقدس كأنه يره !! و انتهت الرحلة إلى هذا الحد. و هنا نجد ظاهرة عامة في الروايات و هي محاولات فاشلة لشرح دلالات بعض الآيات و نسبة هذا الشرح للنبي. ما العلاقة بين بيت المقدس و حادثة الإسراء؟ مع العلم أنّ بيت المقدس دعوى يهودية لم يقرها القرآن.

و تواصل الروايات فتقول ناسبة أقوالها إلى النبي أنّ جبريل قدم له إناء من خمر و إناء من لبن و تناول النبي اللبن لأنه يعبر عن الفطرة و لو أنّ النبي تناول الخمر لغوت أمته (م234). أمّا البخاري (خ3598) فيجعل هذه الحادثة بعد نهاية المعراج و قبل فرض الصلاة و يضيف عليها إناءا من عسل.

غريب هذا المقطع في القصة. كيف يقدم جبريل للنبي إناءا من خمر؟ وهنا نستشف من مختلق الرواية أنّ الخمر استشر في قومه أو في حكام قومه و هو يريد بهذا الحديث تقويم الإعوجاج وتناسى المسكين أنّه يكذب على النبي. ثمّ كيف يكون اختيار النبي للخمر ـ و حاشاه ـ سببا في غواية أمته؟ ثمّ كيف لم يختار النبي العسل فهو مقارنة باللبن لا يتغير و أخيرا ما سبب غياب الماء و هو رمز الطهارة؟
ربمّا اعتقد الراوي أنّ الإسراء رؤيا فلهذا لم يتحرج من الكلام عن الخمر.
إلى هنا تنتهي ما سماه أهل الحديث بالإسراء و تبدأ رحلة المعراج و كأنّها رحلتان الأولى أفقية و الثانية عمودية.

لا ندري في رحلة المعراج أين ذهب البراق فالروايات تغفله و في هذا قول ضمني أنّ البراق توقف في بيت المقدس و أنّ رحلة المعراج اختصت بالنبي و جبريل فقط. فهل عجز جبريل من حمل النبي أفقيا و حمله عموديا؟

ينتقل النبي بعدها صاعدا ليوقفه ملَك في كل سماء و تُعدد السماوات بسبع و يُسأل جبريل في كل سماء سؤالا روتينيا :"من أنت، ومن معك، وهل بعث إليه؟ و يجيب جبريل بالإيجاب و يفتح له في كل مرّة
(خ3598؛م234؛خ3143؛م237).

و لا ندري هل يعتبر الرواة الملائكة بشرا و أنّ رأسهم جبريل يمر على الأبواب و يستأذن كما تستأذن رعية الأمويين و العباسيين قبل الدخول؟

و في كل سماء يلتقي النبي نبيا من الأنبياء فيسلم عليه و يستقبله استقبالا حارا و مع اختلاف الروايات في أسماء الأنبياء و مواقعهم و لكن أغلبها تتفق على الأسماء التالية (خ3598؛م234) :
السماء الأولى : آدم.
السماء الثانية : عيسى و يحي
السماء الثالثة : يوسف
السماء الرابعة :إدريس
السماء الخامسة : هارون
السماء السادسة : موسى
السماء السابعة : إبراهيم

لا ندري لماذا ركزّ الرواة على هؤلاء الأنبياء و نسوا الأخرين، خاصة و أنهم نسوا واحدا هو من أولي العزم و هو نوح عليه السلام و أضافوا إسما ليس بنبي و هو آدم، فآدم ليس نبيا و لم تأت آية في البلاغ المبين تشير لنبوته. وتناسواإذن إثنا عشر نبيا، فعدد الأنبياء في البلاغ المبين عشرون والذين تناسوهم هم :
إسحاق؛ يعقوب؛ نوح؛ داود؛ سليمان؛ أيوب؛ زكريا؛ إلياس؛ إسماعيل؛ اليسع؛ يونس؛ لوط(الأنعام 6/84 ـ 86)
و الأغرب أن يوضع عيسى و يحيى عليهما السلام في سماء واحدة و يُفصل بين موسى و هارون عليهما السلام؟
النبي إذن كلمّ الموتى بنص هذه الروايات و اتصل بهم و دخل عالما ممنوعا عن الأحياء و هي إختلاقات تُشعر الإنسان أنّ أتباع النبي الكريم عانوا من عقدة نقص تجاه الثقافات المحيطة بهم إذ نبينا الكريم لم يعط آيات حسية يظهرها للناس حتى يقتنعوا فعمد هؤلاء إلى اختلاق المعاجز و هم بهذا لم يدركوا أنّ القرآن معجزة النبي الكبرى و الوحيدة.

ثم من محطة إبراهيم عليه السلام التي يسميها رواة مسلم (البيت المعمور) انتقل النبي مصاحبا جبريل إلى سدرة المنتهى التي تعتبرها الروايات حديقة ورقها كآذان الفيلة و ثمارها كالقلال، أو كقلال هجر كما يقول رواة البخاري و فيها أربعة أنهار، نهران باطنان هما نهران في الجنة و نهران ظاهران هما النيل و الفرات كما يقول البخاري مضيفا أنّ البيت المعمور فوق سدرة المنتهى مخالفا بذالك رواة مسلم (خ3598؛م234).

و كالعادة يحاول الرواة فهم مدلول الآيات فيختلقوا الروايات وكأن عصرهم لا يسمح بإبداء الرأي إلاّ بإضفاء المقدس عليه و هذه الظاهرة النفسية تعود إلى أجواء سياسية مشحونة جدا. لذلك أعتقد أنّ هذه الرواية قديمة قد تعود لنهاية القرن الأول و بداية القرن الثاني، إذ عائلات الصحابة المعروفين حافظت في هذا القرن على موروث الأباء و يصعب اختلاق الأخبار بأسماء الصحابة الكبار فينسبوا الروايات إلى صحابة لا عقب لهم أو ذوي خلف مستضعف لا يقوى على الإستنكار وهذا ما حدث لهذه الرواية بالذات إذ الصحابة الرواة هم أنس بن مالك و مالك بن صعصعة. أما بعد مرور القرن الأول و دخول العباسيين في الحلبة بدأ الإختلاق باسم الصحابة المعروفين ما عدا الإمام علي و أبناؤه إذ الرد منهم يكون سريعا منهم إن حدث اختلاق باسمهم فقد بقت عائلتهم متماسكة نوعا ما. أمّا بعد مرور القرن الثاني و الثالث فحركة الوضع أصبحت شاملة لتفكك العائلات العلوية و أغلب العائلات الأخرى، هذا ما يفسر تعاظم حركة الوضع بمرور الزمن و توقفها بعد أن أصبحت حقوق الطبع "محفوظة" و الصحف منسوبة لأصحابها.
و الحقيقة أنّ المسألة مضحكة في اعتبار النيل و الفرات داخل سدرة المنتهى، عمق الثقب الأسود و الأغرب منه الجغرافبا المرسومة في الرواية في اعتبار النهرين الباطنيين من أنهار الجنة و الظاهريين من أنهار الأرض. هذه قراءة مقبولة لو قُدّمت على أنها مجرد رأي لمستوى العلم أنذاك فلماذا اللجوء للكذب على النبي؟. هذا الكذب كما أسلفت عائد لظروف نفسية متنوعة نتركها للأكاديميين.

ثم تاتي قصة فرض الصلاة على النبي (خ3598؛م234) و كيف أنّ المولى في مقابلة خاصة مع النبي فرض على أمة النبي خمسين صلاة !!! و من رحمة موسى بنا أنه تدخل، فلولا موسى لتوقف العمل و عجلة الإقتصاد و السعي في الأرض و لكانت أوقاتنا كلها نسك، فرحم الله موسى. و لا ندري أكان الراوي في سوق عامة يقص قصة الإسراء و المعراج فأخذته حمى القصص فأخذ يهرف بالعظائم أم أنّه في خلاف حاد مع أحبار يهود انتقم منهم باختلاق هذا الحدث؟
أيكون موسى أرحم من الله و كيف يحدث اجتماع بين الله جل شأنه و بشر من الناس؟

و بهذه الملاحظات السريعة يحق لنا أن نسأل: لو حُذف من هذه الروايات "قال رسول الله" ألا تصلح أن تكون مدعاة لقصص هزلية تمتع الصبيان؟ وهل يمكن نسبة هذه الروايات إلى النبي الكريم دون أن تمس بمستواه العقلي؟
أليست هذه الروايات أكبر إساءة إليه؟

المرجع
http//www.al-islam.com


إبراهيم بن نبي
فرنسا
04/03/2006

xx الحصار - [ساحة الشعر و الأدب المكتوب]
02/04/2007, 10:38:56


إذ أمسكُ القلم بكفٍّ راجفٍ
وأسطِّر الكَلِمَ بقلبٍ مستثارْ
أبقى أنا قيد الحصارْ

فاليأس يعصر خافقِي
والأمل مثل الزئبقِ
والواقع الملعون باقٍ
والحلم يصرخ بانكسارْ
ما بين ليلٍ حالكٍ
وبصيص نور من نهارْ


القبح منتشرٌ وذو بأسٍ شديدْ
والضوء تقمعه مقامعُ من حديدْ
والبلبلُ المذبوحُ يبكي بالدماءْ
إذ ظنَّ يوماً أنّ صدحَه قد يفيدْ
من ذا يقف في وجه سيف ابن الوليدْ!


الداء مُستشْرٍ بأنحاء الجسدْ
والجِيدُ مربوطٌ بحبلٍ من مسدْ
والبعضُ ظنَُوا أنّ ذاك الحبلَ زادْ
فأُصِيبَ من رُبِطوا بأنواعِ الحسدْ

يا أهل نور العقل، يا ملح البلدْ
ما يُصلِحُ الملحَ إذا الملحُ فسد؟
بالله ردُّوا...
ما يصلح الملحَ إذا الملحُ فسدْ؟؟!!!



xx لا تنتظرنى ... (عامية مصرية) - [ساحة الشعر و الأدب المكتوب]
14/04/2006, 05:40:56
فى غيمة نهار .. فى وسط الغبار ..
لقيتك بتدِّى إشارة انتظار ..

تنغص حياتى .. يا حيرتى ومماتى ..
تخلى لى عمرى ده سجن وحصار ..

واقف لى كأنك .. عايز خوفى منك ..
يغرَّق لى نفسى فى لحظة مرار ..

عايزنى أنسى أهلى .. وعلمى وجهلى ..
عايزنى انسى كل اللى جاى واللى صار..

وأنسى قرايبى .. وكل اللى جنبى ..
وأفضل لوحدى فى عالم بخار ..

وأسيب كل همى .. وحيرتى وغمى ..
وأسيب العذاب والخراب والدمار ..

وأنا رغم صغرى .. لقيت عرضه مغرى ..
وواضح ودوغرى ومن غير حوار ..

وقلت لنفسى .. ما يمكن تحسى ..
بلحظة هدوء بعد ميت عام سعار ..

وتنسى ف ثوانى .. ضياع المعانى ..
وبير الأمانى اللى من غير أرار ..

ما هى الدنيا زايلة .. ودى صفقة هايلة ..
واهو يبقى اسمى أخدت القرار ..

فأنا بعلو صوتى .. ورغم سكوتى ..
صرخت بعزيمة .. بصوت كله عار ..

ومن غير كسوف .. كأنى خروف ..
تنيت له رقبتى بكل انكسار ..

فضل هو واقف .. ومط الشفايف ..
شاورلى بصباعه اشارة احتقار ..

فهمت انه انى .. لازم تيجى منى ..
وأروح له بنفسى ف وسط الغبار ..

فقلت وماله .. ما واحد ده حاله ..
أكيد كله كبر وفخر وفخار ..

نكست له راسى .. ما هو الذل قاسى ..
وانا مش ف ايدى .. أى اختيار ..

لكن قبل مامشى .. ببربش برمشى ..
لقيت نفسى قاعد .. فى كنبة .. فى بار ..

لقيت جنبى (نيدو) .. و (حمضو) و (بيدو) ..
و (هانى) و (رضوى) و( نانسى) و (منار) ..

صحابى وحبايبى .. وليهم فى قلبى ..
معزَّة خطيرة وأحلى اعتبار ..

قالولى هنسكر .. وفتحولى (مايستر) ..
وويسكى وتكيلا وفودكا وحوار ..

ونسُّونى اسمى .. وجلدى وجسمى ..
وفجأة صحينا ف معاد الفطار ..

لقيت إن (نيدو) .. شاددنى ف ايده ..
واخدنى لغاية بتاع الخضار ..

"صباحه يا عمدة" .. يا ريت أوطة جامدة ..
وطبعاً ضرورى شوية خيار ..

ده غير الأصول .. أكيد صحن فول ..
ودقة وفلفل وشطة وبهار ..

ووقت العصارى .. عشان أطفى نارى ..
نزلنا (العجوزة) فى شلة كتار ..

ونضحك نكركر .. نشِّيش نقرقر ..
حجر كانتالوب مافيهوش هزار ..

وقهوة شربنا .. وطرنيب لعبنا ..
وبهدلت (نيدو) وعملته حمار ..

"يلعن دينك" .. "أم سنينك"
"هانيديها بولة .. رد اعتبار"

ولاجل الكياسة .. فتحنا ف سياسة ..
نقدنا اليمين وجاهمنا اليسار ..

لاقيناها غابة .. وفيه ناس غلابة ..
وفيهم ديابة .. رئيسهم حمار ..

"لكن ايه ف ايدنا" .. "كلامنا يا سيدنا"
"كأنك هتمسك انت القرار!!!"

خلاصته حاسبنا .. وباقى فى جيبنا ..
ييجى اتنين جنيه .. وصوبع سيجار ..

فقلنا خسارة .. فخاد العذارى ..
ضرورى نخمِّس بدون احتكار ..

وقلنا ان بكره .. أكيد فيها أوبرا ..
يا آه من (شوبان) .. واحشنى (موزار) ..

وبعد الفنون .. جه وقت المجون ..
كميا وخمرة وبانجو وسولار ..

رقدت ف سريرى .. أقرر مصيرى ..
وأفكر كويس ف أمرين خُطار ...

لقيت الحياة دى .. شئ اعتيادى ..
ساعات فيها جنة وساعات فيها نار ..

لقيت الانتحار .. ده أغبى اختيار ..
وراجعت نفسى وخدت القرار ..

وفتَّحت عينى ... وفرحى مالينى ..
ونفشت صدرى بكل اقتدار ..

وبصيت بقوة .. معلِّم .. فتوة ..
ولسه الغريب .. فى حالة انتظار ..

رفعت له ايدى .. رميت السلام ..
ومن غير مافكَّر فى أى اعتبار ..

لقيت ابتسامة .. ونظرة ملامة
وادَّانى ضهره وداب فى البخار ..

ساعتها فهمته .. وقدَّرت قيمته ..
وقدَّرت انى .. بجد ظلمته ..

وسمعت صوت .. فى وسط السكوت ..
من اللى افتكرته ملاك الموت ..
"انت نجحت ف الاختبار ..."
"انت نجحت ف الاختبار ..."

xx الشوارع حواديت ... - [ساحة الشعر و الأدب المكتوب]
13/04/2006, 17:41:47
هذه القصة القصيرة هى أول ما أكتبه على الإطلاق ، ماعدا بعض الشعر الردئ والخواطر الصبيانية المخجلة ... تأثرت فيها كثيراً بأحد أساتذتى ، والذى هو أيضاً كاتب قصصى عظيم الموهبة ..

القصيدة التى استخدمتها هنا هى قصيدة (الشوارع حواديت) للرائع (صلاح جاهين) ... وإن كان بها بعض التغييرات الطفيفة لأنى استخدمت كلمات الأغنية التى قام بأدائها (فريق المصريين)...  وبالمناسبة ، فقد استخدم أستاذى هذا نفس القصيدة فى رواية أخرى ، لكنها تختلف تماماً عن هذه القصة ، لذا فلا أعتقد أنه سيقاضينى – أو هذا ما أرجوه!



الشوارع حواديت


*          *          *

الشارع ده كنا ساكنين فيه زمان ..
كل يوم يضيق زيادة عن ما كان ..
أصبح الآن بعد ما كبرنا عليه ..
زى بطن الأم .. مالناش فيه مكان ..

*          *          *


رفعت سماعة الهاتف وأنا ألعن المتصل وألعن الهاتف وألعن (جراهام بل) على هذا الاختراع المزعج .. حتى وأنا عندى سبع سنوات لا غير كنتُ أمتاز بعصبية وقلة صبر خرافيين .. كان عندى استعداد تام أن أنتزع أذنىَّ أو أهشم رأسى فقط حتى يتوقف ذلك الرنين الأبدى .. لكنى وجدت أن الرد على المكالمة أسهل بكثير وأقل ضرراً ...

- < من؟ >
- < (ماجد)؟ ماذا تفعل؟ >
- < لا شئ .. كنت أشاهد التلفاز حتى قاطعتنى أنت بسرينة الإسعاف هذه. >
- < يا أخى اهمد قليلاً .. ما رأيك أن ننزل الشارع نلعب كرة؟ >
- < همم .. أوكى .. أقابلك على أول الشارع بعد ربع ساعة >
- < حسن .. لكن لا تتأخر كعادتك. >
- < عيب عليك .. سلام >

المشكلة فى لعب الكرة هنا أنه لا يوجد أى مكان له باستثناء شارعنا الضيق .. دائماً ماسورة الماء التى انفجرت تغرق الشارع .. لذلك قررت أن ألبس شورتاً أسود و (تى شيرت) رمادياً حتى لا يظهر أثر الوحل كثيراً ..

بعد قرابة الثلاث ساعات ، عدت للبيت وقد تحولت إلى خنزير من كثرة الطين الذى يغطينى .. كنت متعباً جداً ولا أرغب فى الاستحمام على الإطلاق ، لكن كان رأى أمى قاطعاً .. لو لم أستحم ، فلأذهب لأقضى بقية حياتى عند (كريم) .. هكذا ترون أن الديموقراطية كانت هى السمة السائدة فى بيتنا الجميل ..

*          *          *

كان (كريم) يسكن فى آخر الشارع عند الحائط الذى يسد كل منافذ النور والهواء .. منذ طفولتى وأنا أتساءل عن ذلك العبقرى الذى بنى هذا الحائط وأحاول استنتاج الحكمة الكامنة من ورائه ، لكن للأسف لم يبلغ ذكائى هذا الحد أبداً ..

أذكر أن لقاءنا الأول كان عند بقالة عم (بسيونى) .. كان كلانا يشترى (عسلية) بعشرة قروش .. وكما تعرفون ، عندما يشترى اثنان عسلية من نفس المكان فهما – بلا أدنى شك – قد صارا أصدقاءاً للأبد ..

فى السنة التالية ، تم افتتاح مدرسة جديدة قريبة من شارعنا ، ومن يومها صار كلانا يذهب لنفس المدرسة ، وشاءت الصدف أن كلانا كان فى نفس الفصل .. هكذا كانت صداقتنا قد صارت نوعاً من الالتصاق .. وأعترف هنا أنى أحببت (كريم) جداً ، فقد كان هو – عملياً – صديقى الوحيد ..


*          *          *

الشارع ده رحنا فيه المدرسة ..
اللى باقى منه باقى ..
واللى مش باقى اتنسى ..
كنسوه الكناسين بالمكنسة ..
بدموع لحظة أسى ..
أنا برضه كمان نسيت ..

*          *          *


لست أدرى متى بالضبط هوت الصفعة على قفاى ..

كنا واقفين – أنا و (كريم) – فى ساحة المدرسة نتناول العسلية ونتناقش فى حماسة عن من منا سيتزوج (مس مها) مدرسة الرياضيات .. كنا نمزح بالطبع ، لكن فى لحظة ما توقف الأمر عن كونه مزاحاً وبدأ النقاش يحتدم عندما ذكر (كريم) أنه قادر على شراء الدبلة الآن وحالاً ..

ثم فى وسط هذا النقاش الساخن ، هوت تلك الصفعة على قفاى ، مزعزعة المخيخ من مكانه ، مما أفقدنى توازنى للحظة ، قبل أن أستدير فى ذهول لأرمق الجانى الآثيم ..

آه طبعاً .. ومن غيره؟!.. الوغد (خالد) .. فتوة الفصل وربما المدرسة أيضاً .. يقف وحوله اثنان من البلطجية الصغار ، وعلى وجوههم نظرة شماتة وتحد جعلت الدم يغلى فى رأسى ..

- < ما هذا يا حيوان؟ >
- < هذا من أجل ما فعلتَه فى حصة التاريخ!>
- < ماذا؟ يا لك من أبله!! وهل ذنبى أنك جحش ولا تعرف أن التمثال الموجود بجوار أهرام الجيزة هو (أبو الهول) وليس (توت عنخ آمون)؟ >
- < نعم هو ذنبك .. وسأجعلك تعرف الآن كيف هو ذنبك ..>
- < إذن أخرج ما فى جعبتك أيها البهلوان ..>

طبعاً كانت هذه هى اللحظة التى تحولنا فيها نحن الخمسة إلى قطيع من الذئاب المسعورة ... خمش ، ركل ، عض ، بصق ، سب ، ركل ، خمش .. كانت مذبحة حقيقية ...

وفى الطريق إلى شارعنا ، قال لى (كريم):

- < لقد أوسعناهم ضرباً .. هؤلاء السحالى .. غداً سنركل مؤخراتهم مرة أخرى ..>

قلت له وأنا أتحاشى النظر إليه ، مركزاً كل طاقتى فى أن أمشى مستقيماً بعد تلك الركلة التى وجهها أحد السحالى إلى قصبة رجلى:

- < نعم نعم .. سيندم أولاد الوطاويط هؤلاء على اليوم الذى التقى فيه آبائهم بأمهاتهم ..>
- < بالفعل ... سوف ... سوف ...>

ثم توقف عن الكلام ونظر إلى الكدمة الزرقاء حول عينى ، ورأيت أنا شفته السفلى التى تحولت إلى نوع من البسطرمة ... ثم انفجرنا ضاحكين ..


*          *          *

الشارع ده أوله بساتين ..
وآخره حيطة سد ..
ليا فيه قصة غرام ..
ماحكتش عنها لأى حد ..
من طرف واحد وكنت سعيد أوى ..
بس حراس الشوارع حطوا للحدوتة حد ..

*          *          *


مرت ثمانية أعوام علينا ..

لم يتغير شئ فى الوسط الذى نعيش فيه ، لكن نفسياتنا وعقولنا تغيرت كثيراً .. لم نعد أطفالاً ، بل صرنا .. احم .. لنقل رجالاً صغاراً ..

بدأ الشعر ينبت قليلاً فى ذقوننا .. وصارت محادثتنا تتمحور بشكل رئيسى حول الفتيات .. هذه جميلة .. هذه سمينة .. هذه كلمتنى اليوم أمام السور وأنا أشترى العسلية .. هذه .....

لكن كلينا منذ فترة كان يقرأ الكتب كعثة شرهة .. لم يكن يقع تحت أيدينا أى كتاب إلا ونفترسه .. بل ربما فضضنا ورق الجرائد الذى يغلف لنا به عم (صالح) شطائر الطعمية والبطاطس المحمرة لنقرأه ..

ولم يمنعنا هذا طبعاً من أن نقضى الكثير من الليالى فى بيت أحد أصدقاء السوء – وهم كثير ، الله يعمر بيوتهم – لندخن السجائر ، ومن وقت لآخر يتبرع أحد أولاد الحرام – وهم أكثر ، الله يكرم أهاليهم – بلفافة (حشيش) ممتازة .. صحيح أننا لم نتعدَّ الثلاثة عشر سنة ، ولكننا كنا منحرفين بالسليقة ..

ورغم كل ذلك ، كانت درجاتنا دائمة ممتازة فى المدرسة ، وكنا محط إعجاب أساتذتنا سواء على المستوى الدراسى أو المستوى الأدبى ..

ماذا؟  تساءلون متى تغيرت الأمور؟

ياله من سؤال .. منذ مجئ (نرمين) بالطبع ..


*          *          *

الشوارع حواديت ..
حوداية الحب فيها ..
وحوداية عفاريت ..
(واسمعى يا حلوة لما أضحكك) ..

*          *          *


(نرمين) هذه كانت أصغر منى بسنتين ، وكانت هى وأهلها الوافدون الجدد على البناية التى كنت أقطن فيها ..

لن أقول عنها أنها كانت ملكة جمال أو أنها أحد نجوم السماء وقد لبس ثياباً بشرية ... هذا كلام مبتذل ولا يخلو من مبالغة .. دعونا نقول – على سبيل الموضوعية – أنها كانت طفرة جينية تجعل أى أنثى أخرى تبدو كرجل قصير أصلع ..

من السخافة أيضاً أن أقول أنى حاولت أن أكلمها ... أنا خجول بطبعى ، وطالما تلعثمت أمام أى بنت أريد الكلام معها .. لم يكن شكلى قبيحاً ، بل ربما حتى كنت على درجة من الوسامة ، لكن هذا لم يقلل من توترى أمام الجنس الآخر إطلاقاً ..

هكذا ، كنت كلما قابلتها على السلم ، أهز رأسى بأناقة وأقول شيئاً على غرار:

- < برم ترا ممم طب طب >

فكانت هى تضحك ببراءة ، وتهز رأسها علامة التحية ، وتكمل طريقها .. كنت أنا شديد الفخر بلباقتى وبراعتى فى أوقات مثل هذه ...

حتى أتى يوم من تلكم الأيام ، كنتُ أنا متجهاً نحو عم (بسيونى) لأشترى عوداً من العسلية .. يبدو أنها وسواس قهرى أو عقدة دفينة .. المهم .. كانت (نرمين) عائدة من درس خصوصى ما ، ورأيتها أنا قادمة ببلوزتها الوردية الأنيقة ، وبنطالها الجينز ، وقد ضمت الكتاب على صدرها مما أعطاها طابعاً طفولياً محبباً للنفس ..

لا أعرف من أين أتتنى الجرأة لكى أتوجه نحوها وأقول:

- < كيف حالك يا (نرمين)؟ >

نظرت لى لحظة بدهشة ، ثم ابتسمت بهدوء وقالت:

- < أنا بخير .. وأنت؟ >
- < لا بأس بتاتاً .. ما رأيك فى عود عسـ ... آه ، أقصد ما رأيك بزجاجة مياه غازية؟  إن الطقس شديد الحرارة ..>

قالت ببساطة وعفوية:

- < معك حق .. والجميل أن عم (بسيونى) يقدم كتلة ثلج على هيئة زجاجة.>

ضحكتُ .. وعرفت لحظتها أننا صرنا أصدقاء ...


*          *          *

الشارع ده شفتك وانتى ماشية فيه ..
لابسه جينز وبلوزة وردى وعاملة ديل حصان وجيه ..
اتجاهك فى اتجاهى مشينا فيه ..
والشارع ده ضباب وتيه ..
بس لازم نستميت !

*          *          *


هكذا تغير الروتين اليومى لحياتى نوعاً ما .. صرنا نخرج أنا و (نرمين) من البناية متوجهين لأول الشارع ، حيث تذهب هى لمدرستها وأقابل أنا (كريم) ونذهب لمدرستنا .. ثم أراها أحياناً بعد الظهر أو فى أول المساء .. وكنا كثيراً ما نتكلم على الهاتف .. لا أعرف لماذا صرت فجأة شاكراً لـ (جراهام بل) اختراعه العظيم هذا ..

كنت أعرف أن ما أشعر به ناحيتها هو حب .. صحيح أنه حب مراهقة من النوع الذى يسميه الغربيون crush ، لكنه يبقى حباً رغم كل شئ .. لكنى لم أجرؤ يوماً على التصريح بذلك لها ..

لا ، ليس خجلاً منى .. أنا فقط كنت أعرف أنه لا مستقبل لهذه العلاقة ، لو جاز لنا تسميتها (علاقة) .. فأنا كنت قد قررت أنى سأسافر (أستراليا) لأدرس الطب هناك .. بل وكنت أسعى فى البحث عن منحة تعليمية ، وبدا لى أنى قد وجدتها فعلاً ..

لكنها كانت – (نرمين) لا العلاقة طبعاً - تعرف كل شئ دون أن أخبرها .. فلم يكن بيننا أسرار كثيرة على كل حال .. وقد سرَّنى هذا ، فأنا كنت أعلم يقيناً أنى هوائى بما يكفى لجعلى أترك المنحة و (أستراليا) وربما الدراسة كلها لو أنى صارحتها بمشاعرى ..  ماذا؟  أنا رومنسى؟  ومن قال غير هذا؟؟!!

كنا نتضاحك فى يوم ونحن نمشى عائدين من الدرس الخاص بها حول ما سأقابله فى (أستراليا) .. قلت لها:

- < أنا ليس عندى أى نوع من المشاكل ... بل ولا حتى الرهبة الطبيعية التى يشعر بها كل من يترك بلده وموطنه لأول مرة فى حياته ... كل ما يقلقنى هو اللهجة الأسترالية ..>
- < ولكنك تتحدث الإنجليزية بطلاقة !!>
- < يا عزيزتى ، الإنجليزية لا علاقة لها بالأسترالية .. إن الأستراليين يتحدثون بلهجة لا أجد لها اسماً إلا (التطجين) ... تخيلى أن تسألى واحداً منهم عن اسمه ، فيقول لك "اسمى (ضايفض)!" .. هكذا قلب الملعون الدال ضاداً بدون أى شفقة أو رحمة ....>

هكذا دارت الأيام والليالى .. صرت أحاول أن أقضى وقتاً أكبر مع (كريم) .. كنت أشعر أنى أفتقده بالفعل حتى قبل أن أسافر .. لكم أحب هذا الفتى الذى رأى معى كل شئ!

وسريعاً ما انتهت امتحانات آخر السنة ، ثم ظهرت النتيجة ، وحصلت أنا على درجة أعلى مما توقعت بكثير .. و (كريم) كذلك .. ولذا قررنا أن الليلة السابقة لسفرى ستكون خمراً ونساءاً ، وغداً نقضى على دين (محمد) ... امم ، معذرة .. هذا هو تأثير الأفلام السلبى على المراهقين ...

وكان الأمر كذلك بالفعل ... لا أعتقد أنى جهازى الفسيولوجى سيمر بتجربة كهذه مرة أخرى ... كميات هائلة من الكحول والأفيون والتبغ والـ والـ ... وقد ضحكنا كثيراً أنا و (كريم) ، خاصةً عندما وقع هو فى الترعة الصغيرة بجانب الميدان عندما قررنا أن نخرج لنشم بعض الهواء النقى ...

لكن هذا لا يمنع أننا بكينا كثيراً .. كان كلما تذكرنا موقفاً ما مرَّ بنا قديماً ، ترقرقت الدموع فى عيوننا ، حتى يتدارك أحدنا الموقف بأن يضحك ، ويضرب الآخر فى كتفه ، ويقول:

- < تماسكى يا فتاة ، فما زال الليل طفلاً ... >

لكنى – أعترف – كان ذهنى مشغولاً إلى حد ما ، حتى وأنا فى تلك الحالة .. فأنا لم أحاول أن أكلم (نرمين) منذ أسبوعين كاملين .. بل وكنت أتحاشى لقاءها ، وأتعمد عدم الرد عليها عندما تتصل بى هاتفياً ، وأخبر أمى أن تقول لها أنى نائم ، بالحمَّام ، بالخارج ، بالسلامة ، إلخ ...

كان الألم فى صدرى عندما أفكر فيها أكبر من أن يطاق .. ولم أجد وسيلة أخرى لأتحاشى الألم إلا أن أتجاهلها .. للأسف لم يكن علاجاً ناجعاً ، لكنه كان الحل الوحيد الذى تفتقت عنه قريحتى ...

لكنى فى تلك الليلة ، عدت إلى البيت بعد أن نام أهلى جميعاً .. كانت أمى قد أعدت لى حقيبة السفر ، فلم أقلق بهذا الشأن .. ناهيك عن أنى لم أكن بحالة تسمح بالقلق أساساً .. لكن الألم الممض بصدرى لم يرحمنى لحظة طيلة الليل ..

ظللت أتقلب فى سريرى حتى بزغت أولى بشائر الشمس ، فقمت من سريرى وحملت منشفتى ، وتوجهت إلى الحمَّام ، وأخذت (دشاً) بارداً كالثلج كى أفيق قليلاً ... ثم عدتُ وجلست على طرف السرير ، ساهماً ...

لا لم أتخذ قرارات .. بل القرار هو من اتخذ نفسه بنفسه ... هكذا امتدت يدى إلى سماعة الهاتف ، وطلبت الرقم تلقائياً ، ووضعت السماعة على أذنى بانتظار الرد ...

اللعنة ... من جديد ذلك الرنين المثير للأعصاب ... كنت أعتقد أنى قد شفيت ..

- < ألو؟؟ >
- < (نرمين) .. هذا أنا (ماجد) >

(لحظة صمت....)

- < أوحشتنى... >

(لحظة صمت....)

- < وأنتِ أيضاً ... لم أستطع أن أسافر دون أن أودعك >
- < كنت بدأت أعتقد أنك ستبقى وغداً وتترك لى رسالة مع (كريم) ..>
- < كانت هذه هى الخطة ... لكنى لم أستطع .. تعرفين أنى لم أكن أبداً بارعاً فى التخطيط ..>
- < أنت لم تبرع فى أى شئ إلا أن تتلعثم >
- < آىى ... هذه ضربة تحت الحزام >
- < وأنت تستحقها! >

*          *          *

وقفنا جميعاً أمام بوابة الخروج ...

أمى .. أبى .. أختى الصغيرة .. (كريم) .. (نرمين) .. أنا ..

أخذنى أبى وأمى فى حضنهم ، وأخذت أمى تنهنه على كتفى الأيمن ، فى حين ظل أبى يربِّت على كتفى الأيسر ... أعتقد أنى سأصل (أستراليا) بخلع فى عظام الكتفين ، لكن لا بأس ... طيَّبت خاطرهما بكلمات قليلة لكنها عبَّرت عما أشعر به بالتحديد ... ما دمتُ لا أكلم (نرمين) ، فأنا فصيح جداً ...

ثم أخذت (كريم) فى حضنى ، واعتصرته حتى كاد ينزل عصيراً .. وفعل بى المثل .. الغريب أنى شعرت بنفس مقدار الحرارة التى شعرت بها عندما احتضننى أبى وأمى ، لكنها كانت من نوع مختلف .. لا أعرف كيف أصف الأمر ... ربما هو مثلما يختلف نار الشمعة عن نار الموقد .. لا أعرف ..

ثم وقفتُ أمام (نرمين) ... التقت عينانا ... لم أقل شيئاً ، ولم تقل شيئاً .. فقط نظرنا فى عينى بعضنا البعض .. ثم مددت يدى ناحيتها ، وانتظرت حتى وضعت هى يدها فيها ...

كانت نظرتى تقول (أنتِ تعرفين ...) ... وحتى اليوم ، أكاد أفقد عقلى كلما تذكرت أنها هزت رأسها بمعنى (نعم!!)

قلت كلمة واحدة ...

- < إلى اللقاء ...>

هزت رأسها ثانية ، وابتسمت ... ولم تقل شيئاً ...

*          *          *

اتخذتُ مقعدى فى الطائرة ، وربطت حزام الأمان ، ورفعت حاجز النافذة المجاورة ، وأخذت أرمق الممر بجوار الطائرة ...

أحسست بحركة فى المقعد المجاور ، لكنى لم أعره انتباهاً ... بالواقع ، لم أكن معيراً انتباهى لأى شئ ... كان عقلى خاوياً كضرس مسوَّس قبل حشوه ...

لكن تركيزى عاد لأرض الواقع عندما سمعت صوتاً أنثوياً من المقعد الذى بجانبى يقول لى بالإنجليزية:

- Do you mind?

نظرت نحو مصدر الصوت ، فوجدت فتاة لا أعتقد أن عمرها يتعدى العشرين عاماً بحال ... تساءلت للحظة عما تتكلم عنه ، ثم فطنت إلى أنها  تشير إلى مسند المقعد بيننا ... فقلت لها بشرود:

- Sure...

أنزلت المسند وأراحت ذراعها عليه ، وأخرجت علكة من حقيبتها ... ثم انتبهت ، فعرضت علىَّ واحدة ، لكنى شكرتها بأدب وهزة رأس ، ثم أدرت وجهى نحو النافذة مرة أخرى ...

- Is this your first time flying?

أدرت رأسى نحوها من جديد ، وجالت عيناى فى وجهها ، وتوقفت لحظة على أنفها المغطى ببعض النمش ، وقلت:

- Actually, yeah.  Why, is it that obvious?

- Nah, not really.  I just wanna talk until we get home.  By the way, what are you going to Melbourne for?

- College... Unless I finally follow my intuition and become a gigolo, I’m going to medical school there.

ابتسمت ، وهزت رأسها ... لم أفهم معنى هذه الهزة ... ربما كان معناها (هذا ممتاز) أو (أنت فعلاً أحمق)...  على كل حال ، لم أكن أنا أيضاً أرغب فى تمضية مدة السفر فى التفكير فى ما تركته خلفى ، لذلك فقد مددت يدى نحوها بسرعة وقلت:

- Hi... I’m Maged Fahmy.

- I’m Rebecca... Rebecca Davidson!

نظرت لها لحظة ، وأنا لا أعرف ما أفعل ... هل أبالغ لو قلت أن شريط حياتى الماضية كله مر أمام عينىَّ فى تلك اللحظة؟  ربما ...

كل ما أعرفه أنى لم أتمالك نفسى ، فانفجرت ضحكاً .... من بين كل الأسماء؟؟!!!

نظرت لى فى دهشة ، وقالت:

- What’s so funny?

- Oh no, nothing... ahem... I just remembered something.  Hey, wanna hear a joke???


*          *          *

الشوارع حواديت ..
حوداية الحب فيها ..
وحوداية عفاريت ..
(واسمعى يا حلوة لما أضحكك ..)

*          *          *

[1] 2

1 Arab Atheists Network admin(at)el7ad(dot)info
تم إنشاء الصفحة في 0.315 ثانية مستخدما 22 استفسار.